فصل: تفسير الآية رقم (262):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآية رقم (260):

{وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)}.
التفسير:
في هذه الآية صورة أخرى، تمثل المؤمن الذي يطلب المزيد من الإيمان، ليقتل في نفسه كل وسواس، وليخمد في صدره كل همسة من همسات الشيطان!.. ثم هي مثل آخر لمن كان وليّا للّه.: يخرجه من الظلمات إلى النور.
وهذا الموقف- كما قلنا- لا ينتقص من إيمان المؤمن، إذ كانت غايته طلب المزيد من النور، والجديد من العلم. فذلك طريق لا نهاية له، ولا ضلالة فيه!
وقضية الموت والبعث هي القضية الأولى في باب الإيمان، وهى الثغرة التي تنفذ منها رميات الشيطان إلى قلوب المؤمنين! وإبراهيم- عليه السّلام- في وثاقة إيمانه، وقوة يقينه- لا عليه إذا هو وجد طريقا إلى مزيد من الإيمان، حتى يمتلئ به قلبه، فلا يبقى فيه مكان لم يغمره نور اليقين، ولم تعمره الطمأنينة- لا عليه أن يطلب المزيد حتى يرتوى ريّا لا ظمأ بعده! وقد وجد أن ألطاف اللّه تحف به، ونفحاته ورحماته لا تنقطع عنه، فهفت نفسه إلى أن يسأل اللّه هذا السؤال الذي يشهد به جلال اللّه وعظمته من قريب: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى} وقد سأل موسى عليه السّلام سؤالا أعظم من هذا، فقال: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [143 الأعراف].
والسؤال بكيف لا يكون جوابه إلا بأن يشهد إبراهيم عملية الإحياء وكيف تتم هذه العملية، والعناصر التي تعمل فيها.. وأمر كهذا هو فوق مستوى الإدراك البشرى، إنه سرّ من أسرار الألوهية، لا يستطيع أحد أن يحتمله، أو يعرف السبيل إليه.
ومن أجل هذا كان الجواب آخذا اتجاها آخر غير متجه السؤال.. فيه عرض لقدرة اللّه، دون كشف عن سرّ هذه القدرة.. وذلك بما رأى إبراهيم بين يديه من تجليات هذه القدرة وآثارها.
وفى قوله تعالى لإبراهيم: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} إثارة لمشاعر إبراهيم، واستحضار للإيمان الذي يعقد عليه قلبه.. ولهذا كان جواب إبراهيم: {بلى} أي أنا مؤمن كل الإيمان {وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} وتلك درجة فوق درجة الإيمان.. إذ لا سلطان للإنسان على قلبه، وليس من شأن القلب أن يستقر على حال واحدة في جميع الأحوال، لما يموج فيه من شتى المشاعر، ومختلف العواطف والنزعات.. واطمئنان القلب اطمئنانا مطلقا أمر يكاد يكون مستحيلا، لا يبلغه إلّا المصطفين من عباد اللّه!، بعد إبتلاء ومجاهد.
وقوله تعالى: {قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً}.
هو كشف عن تجربة يجريها إبراهيم بنفسه، ويصنعها بيده، ويشهد آثارها بعينه.
وتمر التجربة في مراحل:
1- أن يأخذ إبراهيم أربعة من الطير.
2- أن يضمها إليه، ويتعرّف عليها، ويجعل لكل منها سمة خاصة يدعوها بها، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} أي تألفهن إليك.
3- أن يقطعهنّ قطعا، ويمزقهنّ أشلاء.
4- أن يوزع أشلاءها على رءوس الجبال.
5- ثم يدعوها إليه بأسمائها، كما يدعو أهله ومعارفه بأسمائهم!.
وبهذا تتم التجربة، وتجيء الطيور الأربعة مسرعة!.
وقد كان.. فتمت التجربة على هذا التدبير والتقدير!.
هذا، وفى الحديث عن الطير بنون النسوة ومعاملتها معاملة المؤنث العاقل، ما يدل على أنها كانت في خضوعها لإبراهيم، واستجابتها لندائه، تفعل فعل العقلاء، وتتصرف تصرف من يعى ويعقل! وهذا يعنى أنها عند ما دعيت استجابت للدعوة في غير توقف أو تردد! لأنها تعرف وجه الذي دعاها، وتفهم مدلول كلماته.

.تفسير الآية رقم (261):

{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (261)}.
التفسير:
المشاهد التي عرضتها الآيات السابقة، لقدرة اللّه وحكمته، من شأنها أن تذكى وقدة الإيمان في النفوس، وتفتح القلوب إلى الخير، وتهيئها لاستقبال دعوات الحق وتقبلها.. وإن النصح في تلك الحال لأشبه بالضرب على الحديد وهو ساخن! وهذا ما نجده في تلك الآية الكريمة من الدعوة إلى البر والإحسان، بعد تلك الآيات الكريمة، التي كانت معرضا مثيرا لجلال اللّه وقدرته وحكمته، حيث تهتاج لها المشاعر، وتخفق القلوب!.
وهنا يقول اللّه تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ}.
فهذا مثل للخير يربو وينمو في مغارس الحق والخير، كما يربو العمل وينمو في مناهج الحق والخير، وكما يربو الإيمان وينمو في طريق الهداية والعلم! فالذين ينفقون أموالهم في سبيل اللّه، أي في كل وجه من وجوه الخير والحق، إذ سبيل اللّه كلها حق، وكلها خير- هؤلاء إنما يجنون ثمرة هذا الغرس الذي غرسوه في سبيل اللّه.. أضعافا مضاعفة، كما يزرع الزارع حبة في أرض طيبة فتنبت سبع سنابل، تحمل كل سنبلة مئة حبة! هكذا الحبة تعطى سبع مئة حبة، والحسنة تجازى بسبع مئة حسنة {وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ} أي يضاعف هذه الحسنات، فلا تكون الحسنة بسبع مئة حسنة، بل بأضعاف هذه السّبع مئة {وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ} لا حدّ لفضله، ولا نفاد لرزقه، يضع ذلك حيث شاء علمه، الذي يحيط بكل شيء ويعلم كل شيء!.
ولعلّ سائلا يسأل: أهذا تمثيل وتخييل، أم أنه حقيقة واقعة؟ وهل هناك حبة تنبت سبع سنابل؟ وإذا صح هذا، فهل هناك سنبلة تحمل سبع مئة حبة؟.
وقد قلنا من قبل إن أمثال القرآن الكريم، وأحداث قصصه، كلها من واقع الحياة، ليس فيها شيء على سبيل الفرض المستحيل أو للممكن، بل هي الواقع المخبر عنه بالحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
إن الذي يلجأ إلى الفرض هو العاجز الذي لا يقدر على تحقيق ما افترضه، وتعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.
وفى هذا المثل.. ليس ببعيد أن تكون هناك الحبة التي تنبت سبع سنابل، وأن تحمل كل سنبلة منها مئة حبة، فما أكثر غرائب الطبيعة وعجائبها، وكم من امرأة ولدت ثلاثة توائم أو أربعة أو خمسة أو ستّة؟ كذلك اللّه يخلق ما يشاء!.. ولقد اهتدى العلم الحديث إلى معجزات في عالم النبات بحيث تلد الحبة أكثر من سبع مئة حبة.

.تفسير الآية رقم (262):

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)}.
التفسير:
الإنفاق في سبيل، اللّه لا يكون إنفاقا في سبيل اللّه حقّا، حتى يكون خالصا للّه، صافيا من كلّ كدر، ليصل إلى جهته طيبا، نافعا، لا يصيبها منه ضر أو أذى.. فإن الخير إذا شيب بالمكروه، واتصل بالضرّ شاه وجهه، وفسدت طبيعته، ولم يكن إحسانا بقدر ما هو إساءة.. وبهذا تضيع الحكمة منه، ويذهب الأثر المعلق عليه.
فالذين ينفقون أموالهم في سبيل اللّه، طيبة بها نفوسهم، سخية بها أيديهم، محسنة بها ألسنتهم، يتقبّل اللّه سبحانه منهم عملهم، ويجزيهم به الجزاء الحسن الذي وعدهم: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} إذا خاف الناس يوم القيامة، لما بين أيديهم من هول، وإذا حزن الناس يوم القيامة لما فاتهم من عمل صالح يقدمونه لهذا اليوم.. فهؤلاء قد آمنهم اللّه من الخوف لما يرون من بشريات الجزاء الحسن لأعمالهم الصالحة، وقد أخلى قلوبهم من الحزن على أن لم يكونوا قدموا لهذا اليوم العظيم.

.تفسير الآية رقم (263):

{قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)}.
التفسير:
الكلمة الطيبة صدقة.
والصدقة التي تحمل وراءها الأذى، في كلمة جارحة للمتصدّق عليه، تخدش حياءه، أو تمس إنسانيته وكرامته- هذه الصدقة منعها خير من إعطائها.. فإن كرامة الإنسان فوق شبع البطن أو كسوة الجسد! بهذا الأدب الربانىّ يؤدب اللّه عباده، ويحفظ عليهم إنسانيتهم، ويصون كرامتهم، ويعليهم فوق حاجة الجسد ومطالبه.. فليستعفف الإنسان عن أن يمدّ يده ما استطاع، ثم ليتأدب المحسن، وليقدم إحسانه في لطف ويسر وستر، حتى يتقبّل اللّه منه إحسانه، وحتى يكون محسنا حقّا!، وليمسك المحتاج، وليتجمل بالصبر، حتى لا يكون بالمكان الذي قد يتعرض فيه لكلمة جارحة من أحمق أو سفيه، يمدّ إليه يده بشيء من الإحسان، محمّلا بالمن والأذى! قوله تعالى: {وَمَغْفِرَةٌ} هي مغفرة مطلوبة من المتصدّق، فهو الجانب القوى الذي يملك العفو والمغفرة، وذلك كأن يساء إليه ممن أحسن هو إليه، فلا يلقى هذه الإساءة بالمنّ عليه وفضحه بين الناس، حين يمنّ عليه بما كان من سابق إحسانه إليه.. وليذكر أنه إنما وضع إحسانه في سبيل اللّه، وقدمه خالصا لوجه اللّه.
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} تذكير للمحسنين بأنهم إنما يحسنون بما أحسن اللّه به إليهم، وأن غناهم مستمد من غنى اللّه، واللّه الذي أعطاهم هذا العطاء يغفر لهم الكثير، ويتجاوز لهم عن الكثير، حلما منه وفضلا وكرما، فليغفروا هم لمن أحسنوا إليهم، ثم قابلوا الإحسان بالإساءة.

.تفسير الآية رقم (264):

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (264)}.
التفسير:
قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى} تنبيه للمؤمنين الذين يغرسون في مغارس الخير، من أن تسطو على هذا الغرس آفة فتذهب به، ويضيع أجرهم الذي كانوا يرجونه عند اللّه.
والمنّ.. هو إزعاج المحسن إليه من المحسن بما يذكر- بمناسبة أو بغير مناسبة- من إحسانه إليه وفضله عليه، يريد بذلك استصغاره وامتهانه، على حين ينبغى لنفسه تفاخرا وتعاليا.
فالمنّ أذّى جارح قد يصيب الإنسان في مقاتله.. ولهذا كان هو الآفة التي تأكل الصدقة كما تأكل النار الحطب، إذ قد استوفى بها صاحبها حقّه من المتصدق عليه، حين أحسن أولا، ثم أساء ثانيا.. فذهبت إساءته بإحسانه.
وقوله تعالى: {كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} هو مثل رفعه اللّه لأعين المؤمنين الذين يتصدقون، فيذهب بصدقتهم ما سلطوه عليها من منّ وأذى، وفى هذا المثل يرون صورة واضحة ناطقة، للإحسان الذي يذهب هباء ويضيع هدرا.
فالكافر الذي يؤمن باللّه واليوم الآخر، لا يتقبل اللّه منه صالحا أبدا، لأنه أبطل كل صالح بهذا الكفر الذي انعقد عليه قلبه، وفسد به كيانه كلّه.
وقد يتصدق هذا الكافر لا لوجه اللّه، ولا في سبيل اللّه، ولكن ليرى الناس إحسانه، أو ليملك وجودهم بإحسانه إليهم، أو ليحتل منزلة في قلوبهم.
فهذه الصدقة وغيرها مما يحسب في وجوه البر والإحسان مما تجود به يد الكافر، لا يتقبلها اللّه، ولا يجزى الجزاء الحسن عليها، واللّه سبحانه وتعالى يقول: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ} [18: إبراهيم].
وإنها لصورة كريهة مفزعة للمؤمن الذي يتصدق فيبطل صدقته بيده كما يبطل الكافر إحسانه بكفره! وهنا يتمثل المنّ والأذى كأنه الكفر.
وإذ تجنب المؤمن الكفر حتى حسب في المؤمنين، فليتجنب المنّ والأذى حتى يكون في المحسنين، وإلا فهو والكافر في هذا الموقف سواء بسواء.. لا يقبل اللّه من أىّ منهما عمله الذي عمل.
ثم ضرب اللّه سبحانه مثلا للكافر ولأعماله التي تدخل في باب الإحسان، وما لهذه الأعمال من وزن عند اللّه!.
فالكافر في ذاته حجر صلد، أصمّ، لا يمسك خيرا، ولا يجود بخير!.
وأما ما يكون منه من أعمال حسنة في ظاهرها، فهى أشبه بما يعلو هذا الحجر الصلد الأصم من تراب.. والتراب من شأنها أن تنبت الزرع، وتخرج الثمر، إذا رواها الماء واختلط بها.
والصورة تبدو هكذا: الكافر وأعماله التي يرجى خيرها، والحجر الصلد وما عليه من تراب، يرجى منه أن يكون يوما أرضا معشبة، أو حبة مثمرة! وينجلى الأمر عن هذا الموقف هكذا:
الكافر يوم القيامة، وقد جاء عريانا مجردا من كل عمل ينفعه في هذا اليوم.. والحجر الصلد وقد أصابه الغيث فجرف بتياره العنيف كل ما عليه من تراب، فانكشف وتعرّى، وأصبح ولا موضع فيه لنبت يطلع منه! وفى هذا يقول اللّه تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ} والصفوان: الحجر الأصم. والوابل: المطر الغزير، والصلد: الأصم الأملس.
وقوله تعالى: {لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} استحضار للكافرين جميعا ليشهدوا هذا الموقف الذي يتعرّى فيه الكافر من كل شيء، كما أنه استحضار للمحسنين الذين أبطلوا إحسانهم بالمن والأذى.

.تفسير الآية رقم (265):

{وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)}.
التفسير:
بعد أن ضرب اللّه سبحانه وتعالى مثلا للذين ينفقون ولا يتقبل اللّه ما ينفقون، لأنهم إما كانوا كافرين باللّه، وإما كانوا مؤمنين ولكن يتبعون ما أنفقوا المنّ والأذى- بعد أن ضرب اللّه مثلا لهؤلاء وأولئك، ضرب- سبحانه- مثلا للمؤمنين الذين ينفقون أموالهم في سبيل اللّه، ابتغاء مرضاته.
فمثل ما ينفق هؤلاء المؤمنون كمثل من غرس جنة بربوة عالية، وهى المكان المرتفع، تستقبل أشعة الشمس صافية مطلقة، وتتنفس أرواح النسيم عليلا بليلا، وتمتص أنداء الليل نقية معطرة، وترتضع أخلاف السحاب عذبة صافية، وهذا ما يجعل ثمرها مباركا، وعطاءها جزلا مضاعفا، بما اجتمع لها من طيب المكان، والماء الروىّ، وسلامة المفترس من الآفات.. وهكذا يربى اللّه للمؤمنين المتصدقين صدقاتهم، إذا غرسوها بعيدا عن متناول الآفات التي تأكلها وتأتى عليها، وهى المنّ والأذى.
وقوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ} أي أن هذه الجنة التي قامت فوق الربوات العالية، لا تنقطع عنها أمداد السماء، فإن لم يسقها المطر الغزير في بعض الأوقات، سقتها أنداء الطل التي لا تنقطع أبدا في تلك المواطن.. وكذلك إحسان المحسن المؤمن، ينمو ويزدهر مثل تلك الجنّة، فإن فضل اللّه دائما متصل بهذا الإحسان، يغذيه وينميه لصاحبه، حتى يجده شيئا عظيما يسر العين، ويشرح الصدر!.